غانم قدوري الحمد
63
محاضرات في علوم القرآن
مصاحف متعددة غير موحدة بسبب اختلاف القراءات ، وربما بسبب تفاوت الحفظ وتباين الدقة في الكتابة . وكانت هذه المشكلة موضع اهتمام الخليفة الثالث عثمان ، وألهمه اللّه تعالى القيام بعمل عظيم جمع الأمة على المصحف الذي كتبه زيد بن ثابت من الرقاع التي كتبت بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثانيا - نسخ الصحف في المصاحف : قرر عثمان بن عفان ، رضي اللّه عنه ، جمع المسلمين على مصحف موحد في رسمه وترتيبه ، يعتمد على قراءة واحدة ، وهي القراءة العامة التي كان الصحابة يقرءون بها في المدينة ، والتي كتب زيد بن ثابت القرآن بها زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وجمعه في الصحف في خلافة الصديق . وكان أول ما بدأ به الخليفة الثالث لتحقيق ذلك العمل العظيم هو استشارة الصحابة الذين في المدينة ، في جمع الناس على مصحف واحد ، فقالوا : نعم ما رأيت « 1 » . والرواية المشهورة التي تحكي خطوات ذلك العمل الكبير هي التي رواها كثير من المحدّثين والمؤرخين « 2 » ، ونص هذه الرواية كما نقلها البخاري عن أنس ابن مالك هو : « إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين ، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ، ننسخها في المصاحف ، ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان . فأمر زيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن
--> ( 1 ) ابن أبي داود : المصاحف ص 22 . ( 2 ) الترمذي : كتاب السنن 5 / 265 ، وابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 18 ، وابن النديم : الفهرست ص 27 ، والداني : المقنع ، وابن الأثير : الكامل 3 / 55 ، والزركشي : البرهان 1 / 236 ، والسيوطي : الإتقان 1 / 169 .